الأخبار المحلية

​من تخصيب اليورانيوم إلى تخصيب الأزمات: السودان بين سباق التكنولوجيا ومستنقع المحاصصة

بروفيسور بله احمد بلال

​بينما يتسابق العالم اليوم في مضامير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة النووية وتخصيب اليورانيوم، وحيث تنشغل الأمم ببناء اقتصادات المعرفة وصناعة التفوق العلمي وامتلاك أدوات المستقبل؛ ما زلنا نحن نراوح مكاننا في مستنقع الصراعات والخلافات والرقص السياسي على دماء الشهداء. وكأن السودان قد أُريد له أن يظل أسيراً لدائرةٍ لا تنتهي من النزاعات والمساومات وتدوير الأزمات. فبينما تمضي الأمم إلى الأمام بعقول علمائها وسواعد منتجيها، نبقى نحن عالقين في جدل السلطة وأثقال الخلافات ومواسم اقتسام الغنائم.
​السودان اليوم لا يكاد يلتقط أنفاسه من أتون الحرب حتى ينشغل مجدداً بأحاديث حضن الوطن وعودة قيادات الميليشيا، بينما المواطن المنهك يبحث عن أبسط حقوقه: أمنٌ يحفظ كرامته، ودولةٌ تستعيد هيبتها، ومؤسساتٌ تبني المستقبل لا تُدار بمنطق الغلبة ولا تُختطف بسطوة السلاح. فمعركة الكرامة لم تكن يوماً معركةً من أجل المناصب أو الصفقات السياسية، ولم تكن ميداناً لإعادة تدوير ذات الوجوه والأزمات، بل كانت معركةً من أجل وطنٍ محترمٍ وقويٍّ ينهض بالعلم والتنمية والعدالة؛ لأن الشعوب لا ترتقي بالمجاملات السياسية ولا تُبنى الدول بتسويات المصالح الضيقة، وإنما تتقدم الأمم بالإنتاج والعلم والانضباط والوعي الوطني.
​وفي خضم هذا المشهد المربك، درج الخارجون على الدولة في السودان —سواء كانوا من حملة السلاح أو من حواضنهم السياسية أو من حملة المباخر من منسوبي الأحزاب اللهاثين خلف المكاسب والمناصب— على الانحياز دائماً إلى الكفة الراجحة في المعركة، أو إلى الجهة الأكثر سخاءً في العطاء والدفع. حتى غدت كثيرٌ من التسويات السياسية لا تقوم على مشروعٍ وطنيٍّ جامعٍ بقدر ما تقوم على حسابات المكاسب والمحاصصات الضيقة، وكأن الولاء للوطن بات أقل ربحاً من التمرد عليه، وأضحى حمل السلاح أو الارتهان للخارج أقصر الطرق إلى موائد السلطة.
​لقد تحولت هذه الممارسة عبر العقود إلى ما يشبه السنة السياسية السيئة الملازمة للدولة السودانية منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا؛ إذ ترسخت ثقافة اتفاقيات السلام الثنائية القائمة على ترضية النخب الحاملة للسلاح أو الواجهات المعارضة على حساب استقرار الوطن والمواطن، حتى بدا الوطن في أحيانٍ كثيرةٍ وكأنه يدفع ثمن السلام مرتين: مرةً بالحرب، ومرةً أخرى بالمحاصصة.
​والتاريخ السوداني يعيد نفسه بصورةٍ تكاد تكون مؤلمةً في رتابتها، بدءاً من اتفاقية أديس أبابا عام 1972، ومروراً باتفاقية نيفاشا عام 2005، وأبوجا 2006، والدوحة 2011، وصولاً إلى اتفاق جوبا للسلام عام 2020. ورغم اختلاف الأزمنة والسياقات فقد ظلت القاعدة واحدةً: تحويل السلام من مشروعٍ وطنيٍ جامعٍ إلى عملية محاصصةٍ ووظائف وتقاسمٍ للسلطة والثروة؛ كعكةٌ سياسيةٌ يجري اقتسامها على موائد التفاوض، بدلاً من معالجة جذور الأزمات الوطنية وبناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.
​وهنا يفرض السؤال نفسه بمرارةٍ لا تخفى: هل تكفي كعكة السلطة المثقلة أصلاً بالديون والانقسامات والتشظي لإرضاء المنشقين الجدد عن الميليشيا والخارجين من تحالفات “تقدم” وتأسيسها؟ إذا كان نصيب اتفاق جوبا وحده قد استقطع نحو عشرين بالمئة من هيكل السلطة ومواردها المحدودة، فإن التنافس المحموم على كعكةٍ متآكلةٍ لن يقود البلاد إلا إلى جولاتٍ جديدةٍ من الصراع على الغنائم والامتيازات، وسيعيد إنتاج الأزمة بذات الأدوات التي صنعتها، وكأن الوطن قدره أن يظل مائدةً مفتوحةً لكل مساومٍ وطامعٍ ومتربص.
​إنها مناشدةٌ صادقةٌ لكل من استيقظ ضميره وتطهر من وعثاء الخيانة، ولكل من حمل السلاح يوماً في وجه الدولة ثم أراد العودة إلى جادة الوطن: إن الرجوع إلى أحضان الوطن لا ينبغي أن يكون عبر موائد التفاوض وصفقات الكواليس والشروط المسبقة، بل عبر موقفٍ شجاعٍ يقر فيه المرء بخطئه، ويرمي بالماضي خلف ظهره، ويرتضي أن يبدأ من جديد مواطناً عادياً لا شريكاً مفروضاً بقوة الابتزاز السياسي أو العسكري. وعلى كل من ألقى سلاحه أن يخلع البذلة العسكرية والكدمول، وأن يسلم عتاده كاملاً دون قيدٍ أو شرطٍ، حتى لا تظل صور الحرب وآثارها جاثمةً في ذاكرة المواطن المثقل بالفقد والوجع.
​كما أنه ليس من مقتضى العدالة ولا من الحكمة الوطنية أن يعود من امتهن العمالة والخيانة من بعض القوى والأحزاب السياسية، بعد أن باع الوطن بثمنٍ بخسٍ وارتهن لإملاءات الخارج، ليجلس مرةً أخرى على مائدة المساومة مطالباً بنصيبه من الكرسي، وكأن التفريط في الأوطان صار مؤهلاً سياسياً إضافياً للسلطة لا موجباً للمساءلة والمراجعة والمحاسبة! فالأوطان لا تُسترد بالشعارات، ولا تُبنى بمن باعوها ثم عادوا يطالبون بثمن العودة.
​إن استقبال هؤلاء استقبال الفاتحين أو مكافأتهم بالمناصب السياسية ليس سوى تكريسٍ مشينٍ للخلل التاريخي ذاته؛ ذلك الخلل الذي جعل الكرسي في السودان جائزةً لمن رفع السلاح في وجه الدولة أو ساوم على سيادتها، بينما ظل المواطن الصامد الشريف يدفع من أمنه واستقراره وحياته فاتورة هذه المصالحات الزائفة، حتى أصبح الصبر الوطني في كثيرٍ من الأحيان أشبه بضريبةٍ يدفعها الأبرياء، فيما تُوزع المكافآت على محترفي الفوضى.
​فلا الأوطان تُبنى بالمساومات، ولا الدول تنهض بالمغانم، وإنما تعلو الأمم بعلمٍ يُنتج، وعدالةٍ تُنصف، وشرعيةٍ لا تُبتز، وضميرٍ وطنيٍّ إذا استيقظ.. لا يبيع ولا يساوم.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى